Community Profile · Heritage Design
من النسيج التراثي إلى الأزياء العصرية: كيف تُعاد صياغة الحرفة التونسية
23 يوليو 2026

باستخدام أقمشة تراثية مثل الملية والسفساري والحرم والتلي، يُرسي هؤلاء المبدعون نمطًا جديدًا من "الموضة البطيئة" — عصريًا، وقابلًا للارتداء، ومستدامًا، وفي الوقت ذاته تونسيًا بعمق.
ما يجعل هذا العمل مثيرًا للاهتمام هو أنه لا يتعامل مع التراث باعتباره شيئًا هشًا يجب أن يبقى بمنأى عن أي تغيير. بل يتعامل معه بوصفه مادة: شيئًا يمكن قصّه وتشكيله وتصميمه وإعادة إدخاله في الحياة اليومية من جديد.
الكثير من هذه الأقمشة مستمدة من أشكال قديمة من لباس المرأة. فقد كان السفساري يُستعمل تقليديًا كغطاء للمرأة. أما الملية فكانت تُلفّ وتُدرّج بطرق مختلفة، غالبًا بألوان وأنماط جهوية. وكان الحرم طبقة منسوجة أخفّ تُستعمل قريبًا من الجسد. وقد حملت هذه الألبسة دلالات اجتماعية لا تتناسب دائمًا مع الطريقة التي ترتدي بها الشابات ملابسهنّ اليوم.
لكن الأنسجة في حدّ ذاتها ما تزال تحتفظ بقيمتها.
فألوانها وخطوطها وملمسها وتقنيات نسجها تحمل لغة بصرية تونسية بامتياز. والمشكلة ليست في أن القماش قد فقد جماله، بل في أن الشكل الأصلي لم يعد قابلاً للارتداء بالنسبة لحياة الكثير من النساء اليوم.
لذلك يتغيّر الشكل.
يمكن للملية أن تصبح هيكل فستان. ويمكن لنسيج تراثي مخطط أن يتحول إلى خصر مُحكم، أو طقم عصري من قطعتين، أو سترة مفصّلة بعناية. وقماش كان يُرتبط بالأجيال الأكبر سنًا قد يظهر في قصّة تبدو شابة وواثقة وعصرية.
والنتيجة ليست زيًا تنكريًا. وليست فولكلورًا. وليست تذكارًا سياحيًا.
إنها ملابس مصمّمة للحاضر، لكنها مصنوعة من مواد تحمل الماضي.
وهذا أيضًا ما يجعل هذا العمل جزءًا من "الموضة البطيئة". فهذه القطع لا تُقصّ من لفائف لا نهاية لها من النسيج الصناعي. بل إن الكثير من الأقمشة تُنسج على يد حرفيين باستخدام أنوال تقليدية وألياف طبيعية وأساليب متوارثة عبر الأجيال. وبعضها يستغرق عدة أيام لإنتاج متر أو مترين فقط من القماش. وقد تتفاوت الألوان والزخارف من دفعة إلى أخرى. وبمجرد أن يختفي نسج معين، قد لا يعود مطابقًا تمامًا لما كان عليه.
وتلك الندرة ليست مسألة جمالية فحسب. بل تعكس خطرًا حقيقيًا: فالحرفيون الذين ما زالوا يتقنون صناعة هذه الأقمشة قليلون، وكثير منهم يتقدّم في السن. ومعرفتهم تكمن في اليد، وفي الإيقاع، وفي التكرار، وفي سنوات من الممارسة. فإذا لم يكن هناك طلب على القماش، فلن يكون هناك سبب يذكر يدفع الأجيال الشابة لتعلّم هذه التقنية. لكن عندما تُحوّل المصممات الشابات هذه الأنسجة إلى ملابس يرغب الناس في شرائها وارتدائها، تستعيد الحرفة أهميتها الاقتصادية من جديد.
وهذا ما يجعل هذا النوع من المشاريع مهمًا.
فهو لا يحافظ على القماش كمجرد قطعة فحسب، بل يساهم في الحفاظ على المنظومة المحيطة به بأكملها: الحائكات والحائكون، والأنوال، والتقنيات، والأنماط الجهوية، وإمكانية أن يرى حرفيون شباب مستقبلاً في تعلّم هذه الحرفة. فالطلب يمنح التراث سببًا للاستمرار.
وعلى المصمم أن يعمل مع القماش لا أن يفرض عليه إرادته. فوزنه ونقشه وملمسه ومدى توفره هي التي تحدد شكل القطعة النهائية. فالنسيج المصنوع يدويًا لا يتصرف مثل قماش المصانع؛ إذ يحمل مظاهر عدم انتظام وكثافة وطابعًا مميزًا. وهذا جزء من قيمته.
أما بالنسبة للنساء اللواتي يشترين هذه القطع أو يرتدينها، فإن جاذبيتها لا تكمن فقط في جمالها، بل في أنها تجعل التراث قابلاً للاستعمال من جديد. فقد لا ترتدي المرأة اليوم السفساري بشكله الأصلي، لكنها قد ترتدي فستانًا مصنوعًا من نسيج تراثي. وقد لا تلفّ الملية كما كانت النساء يفعلن سابقًا، لكنها قد ترتدي نقشها في سترة أو تنورة أو طقم عصري.
وهكذا تبقى الثقافة حيّة دون أن تتجمّد.
كما يفتح هذا النوع من الأعمال بابًا مختلفًا في اقتصاد السياحة التونسي. فقد لا يرغب الزائر في تذكار عادي، لكنه قد ينجذب إلى قطعة ملابس تحمل قصة حقيقية: من أين جاء القماش، ومن نسجه، وكم استغرق ذلك من وقت، وما كان استعماله الأصلي، وكيف تحوّل إلى شيء عصري. فتصبح القطعة أكثر من مجرد ملابس؛ تصبح رابطًا بالمكان والحرفة والهوية.
وبالنسبة لروّاد الأعمال التونسيات الشابات، يمثّل هذا المجال فضاءً مؤثرًا. فهنّ لا يبعن الموضة فحسب، بل يبنين علامات تجارية صغيرة قائمة على التراث والاستدامة والتصميم ورواية القصص. ويربط عملهنّ بين الحرفيين والأقمشة والذاكرة المحلية والمشترين المعاصرين والسياحة الثقافية.
ولهذا السبب يُسلّط "تانيت" الضوء على هذا المشروع.
فهو يمثّل نوع ريادة الأعمال القائمة على التراث التي تحتاجها تونس أكثر: ريادة إبداعية، متجذرة محليًا، ذات قيمة اقتصادية، ومرتبطة بالمستقبل. وهو يُظهر أن الحفاظ على الثقافة لا يعني دائمًا إبقاءها كما هي بالضبط. بل يعني أحيانًا منحها شكلاً جديدًا، وسوقًا جديدة، وسببًا جديدًا لاستمرار صنعها.
فمستقبل الحرفة التونسية قد لا يشبه ماضيها تمامًا. قد يتخذ شكل فستان مصنوع يدويًا، أو سترة مفصّلة، أو مجموعة محدودة من الأنسجة، أو قطعة عصرية صممتها شابة تفهم التقاليد والسوق في آن واحد.
فالهدف ليس الحفاظ على القماش بتركه دون مساس.
بل الهدف هو جعله قابلاً للارتداء من جديد.
وعندما يحدث ذلك، يصبح التراث أكثر من مجرد ذكرى. يصبح تصميمًا، ودخلاً، واستدامة، وهوية — تُحمل نحو المستقبل قطعة واحدة في كل مرة.