TANIT
→ العودة إلى المجلة

Insight · Cultural Tourism

من البحر إلى الصحراء: وجوه تونس المتعددة

23 يوليو 2026

من البحر إلى الصحراء: وجوه تونس المتعددة
كثيرًا ما يصف الناس تونس بأنها صغيرة، لكن هذا الوصف قد يكون مضللًا. إن قوة تونس لا تكمن في صغر حجمها، بل في تركيزها: كثافة نادرة من المناظر الطبيعية والتاريخ والتقاليد الثقافية ضمن رقعة جغرافية واحدة مترابطة. إن التنقل عبر تونس هو مشاهدة للبلاد وهي تتحول بسرعة وجمال. فالساحل يفسح المجال للحجر العتيق، والعاصمة تنفتح على أطلال هادئة وإطلالات بحرية، والجنوب يتحول إلى تراب وبساتين نخيل، والشمال الغربي يجلب الغابات والجبال وإيقاعًا ريفيًا أبطأ. هذه هي تونس التي لا يراها الزوار دائمًا — متعددة الطبقات، متنوعة، ونابضة بالحياة بعمق. هذا التنوع هو ما يجعلها واحدة من أقل الوجهات الثقافية استكشافًا في منطقة البحر الأبيض المتوسط. في منطقة العاصمة، غالبًا ما تبدأ القصة بالتباين. فتونس العاصمة حديثة، صاخبة، ومتعددة الطبقات. تحتضن مدينتها العتيقة قرونًا من الحياة الحضرية في أزقتها الضيقة، وأبوابها المنحوتة، وأفنيتها، ومساجدها، وورشها، وعطورها، وكتبها، ونحاسها، ومنسوجاتها، وإطلالاتها الهادئة من على الأسطح. وعلى مقربة منها، تقدم سيدي بوسعيد وجهًا آخر من تونس: جدران بيضاء، وأبواب زرقاء، وشرفات منحوتة، ونسيم بحري، وياسمين، وبلاط خزفي، وشعور بأن القرية معلقة بين السماء والبحر الأبيض المتوسط. وقد حظيت هويتها الزرقاء والبيضاء بحماية رسمية بموجب مرسوم صدر عام 1915. فهذه الألوان لم تُبتكر من أجل السياحة، بل أصبحت جزءًا من لغة معمارية محمية ساهمت في الحفاظ على طابع القرية. على بعد 2 ميل جنوبًا، توجد قرطاج — لا كدرس تاريخي بعيد، بل كواحدة من أكثر الأماكن إثارة للتجول في العاصمة. تنفتح الحمامات الرومانية باتجاه البحر. وتتجاور الأعمدة والجدران الحجرية والفيلات القديمة والآثار الأركيولوجية مع بعض من أرقى الشوارع السكنية في تونس العاصمة. ومن زوايا معينة، يمكنك النظر نحو الموانئ البونية والشعور بمدى قرب المدينة القديمة من الحياة اليومية. إن قرطاج سهلة المنال، ساحلية، وأنيقة بهدوء: مكان لا تُخفى فيه الأطلال عن المدينة، بل تُنسج ضمن أحد أجمل أحيائها. جنوب العاصمة، تبدأ تونس بالتحول في اللون والإيقاع والملمس. فيفسح إشراق البحر الأبيض المتوسط المجال لتلال بلون الأُخرة، وبساتين النخيل، والحجر الجاف، ومناظر طبيعية يبدو أنها تشكلت بالصمت بقدر ما تشكلت بالعمارة. في مطماطة، تُنحت المنازل في باطن الأرض بدلًا من أن تُبنى فوقها. من الطريق، قد تكاد تختفي في المشهد الطبيعي؛ ثم تنفتح الأرض عن أفنية دائرية، بغرف محفورة في الجدران المحيطة بها. هذه المساكن عملية، ذكية مناخيًا، ومتجذرة بعمق في المعرفة المحلية — بُنيت لتبقى باردة، ومحمية، وقريبة من الأرض. لكنها أيضًا لا تُنسى. فالزائر لا يكتفي بالنظر إلى مطماطة؛ بل ينزل إليها. جنوبًا أكثر، تقدم دوز وتوزر بابين مختلفين لدخول تونس الصحراوية. غالبًا ما تُسمى دوز بوابة الصحراء الكبرى، لكنها أكثر من مجرد نقطة انطلاق نحو الكثبان الرملية. فهي تحمل أجواء الدروب الصحراوية، وبساتين النخيل، والأسواق المفتوحة، وتقاليد تربية الجمال، وضيافة تشكلت عبر الترحال. أما توزر، في المقابل، فهي مدينة واحة: كثيفة بنخيل التمر، والممرات الظليلة، والطوب ذي الأنماط الزخرفية، والأحياء القديمة، وشعور بأن الماء ينظم الحياة بهدوء عند حافة الصحراء. معًا، تُظهر مطماطة ودوز وتوزر أن الجنوب التونسي ليس صورة صحراوية واحدة. إنه منازل تحت الأرض، وزراعة واحاتية، ومدن صحراوية، وضيافة عائلية، وحرف يدوية، وعمارة، وطريقة أبطأ في اكتشاف المكان. فالجنوب سينمائي، نعم — لكنه أيضًا معاش، عملي، وإنساني بعمق. كما تمتلك تونس جانبًا أكثر خضرة لا يتوقعه كثير من الزوار. في الشمال الغربي، حول مناطق مثل عين دراهم، وطبرقة، وجبال خمير، تتحول البلاد مرة أخرى. يصبح الهواء أكثر برودة، والتلال أكثر خضرة، والمناظر الطبيعية أكثر تحرجًا. هذه هي تونس الجبال، وأشجار الفلين، والمطر، والقرى الحجرية، ومسارات المشي، والإيقاع الريفي الأبطأ. إنها تُعقّد صورة تونس بوصفها مجرد شواطئ وصحراء. وتُظهر بلدًا يتمتع بتنوع بيئي وثقافي، حيث يمكن للسياحة القائمة على الطبيعة أن تنمو جنبًا إلى جنب مع سياحة التراث والمجتمع. في زغوان وقراها المحيطة، تظهر طبقة أخرى: مناظر جبلية طبيعية، وتراث مائي، وقنوات مياه رومانية، وتقاليد ريفية، وذاكرة ثقافية أمازيغية. تربط المنطقة بين الجمال الطبيعي والتاريخ العميق، من الينابيع والزراعة إلى العمارة القروية والدروب القديمة. إنه من ذلك النوع من الأماكن التي لا تحتاج فيها السياحة إلى الصخب لتكون ذات معنى. هذا ما يجعل تونس بهذا الثراء كوجهة: فهي ليست شيئًا واحدًا. إنها متوسطية وصحراوية. حضرية وريفية. رومانية وعربية. أمازيغية وعثمانية. ساحلية وجبلية. عريقة وفتية. مألوفة ومفاجئة. ثقافتها ليست فقط في المعالم الأثرية، بل في الخبز، والبلاط، والمنسوجات، والموسيقى، والأبواب، والأسواق، والأفنية، ودور الضيافة، والمزارع، والورش، وطريقة استقبال الناس للغرباء في مكان ما. بالنسبة للسياحة، هذا أمر مهم. عندما تُختزل بلد ما في صورة واحدة، تبقى مجتمعات كثيرة غير مرئية. قد تجلب السياحة الشاطئية زوارًا، لكنها لا تُظهر دائمًا القيمة الكاملة لمكان ما. يمكن للسياحة الثقافية أن تساعد في توسيع تلك الصورة. يمكنها أن تدعو المسافرين للبقاء لفترة أطول، وتجاوز المسارات الواضحة، والتعرف على الأعمال التجارية المحلية، والشراء من الحرفيين، والمبيت في دور الضيافة، والمشاركة في تجارب صغيرة، وفهم تونس من خلال الأشخاص الذين يحافظون على تراثها كل يوم. هذه هي تونس التي تريد "تانيت" أن تجعلها أكثر وضوحًا. ليست نسخة مُلفقة من البلاد. وليست بطاقة بريدية. وليست وجهة واحدة. بل شبكة من الأماكن والمهارات والقصص والمشاريع الصغيرة التي تُظهر معًا مقدار ما تقدمه تونس. من شوارع سيدي بوسعيد الزرقاء والبيضاء إلى أطلال قرطاج، ومن منازل مطماطة تحت الأرض إلى دوز والصحراء الكبرى، ومن واحات الجنوب إلى الجبال الخضراء في الشمال الغربي، فإن تونس ليست بلدًا يمكن فهمه في صورة واحدة. إنها بلد من الطبقات. وكلما أمعنت النظر فيها، ازدادت انفتاحًا.